محمد بن جرير الطبري

237

تاريخ الطبري

هشتادسر فأصاب العسكر الذي كان مقيما بإزائه بهشتادسر قد انصرف إلى بابك ورحل بغا إلى موضعه فأصاب خرثيا وقماشا وانحدر من هشتادسر يريد البذ فأصاب رجلا وغلاما نائمين فأخذهما داود سياه وكان على مقدمته فساءلهما فذكر أن رسول بابك أتاهم في الليلة التي انهزم فيها بابك فأمرهم أن يوافوه بالبذ فكان الرجل والغلام سكرانين فذهب بهما النوم فلا يعرفان من الخبر غير هذا وكان ذلك قبل صلاة العصر فبعث بغا إلى داود سياه قد توسطنا الموضع الذي نعرفه يعنى الذي كنا فيه في المرة الأولى وهذا وقت المساء وقد تعب الرجالة فانظر جبلا حصينا يسع عسكرنا حتى نعسكر فيه ليلتنا هذه فالتمس داود سياه ذلك فصعد إلى بعض الجبال فالتمس أعلاه فأشرف فرأى أعلام الأفشين ومعسكره شبه الحيال فقال هذا موضعنا إلى غدوة وننحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله فجاءهم في تلك الليلة سحاب وبرد ومطر وثلج كثير فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل يأخذ ماء ولا يسقى دابته من شدة البرد وكثرة الثلج وكأنهم كانوا في ليل من شدة الظلمة والضباب فلما كان اليوم الثالث قال الناس لبغاقد فنى ما معنا من الزاد وقد أضر بنا البرد فأنزل على أي حالة كانت إما راجعين وإما إلى الكافر وكان في أيام الضباب فبيت بابك الأفشين ونقض عسكره وانصرف الأفشين عنه إلى معسكره فضرب بغا بالطبل وانحدر يريد البذ حتى صار إلى البطن فنظر إلى السماء منجلية والدنيا طيبة غير رأس الجبل الذي كان عليه بغا فعبى بغا أصحابه ميمنة وميسرة ومقدمة وتقدم يريد البذ وهو لا يشك أن الأفشين في موضع معسكره فمضى حتى صار بلزق جبل البذ ولم يبق بينه وبين أن يشرف على أبيات البذ الا صعود قدر نصف ميل وكان على مقدمته جماعة فيهم غلام لابن البعيث له قرابة بالبذ فلقيتهم طلائع لبابك فعرف بعضهم الغلام فقال له فلان فقال من هذا ههنا فسمى له من كان معه من أهل بيته فقال ادن حتى أكلمك فدنا الغلام منه فقال له ارجع وقل لمن تعنى به يتنحى فإنا قد بيتنا الأفشين وانهزم إلى خندقه وقد هيأنا لكم عسكرين فعجل الانصراف لعلك أن تفلت فرجع الغلام فأخبر ابن البعيث